إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحريّة الفكرية (رؤية شاملة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [مقال] الحريّة الفكرية (رؤية شاملة)

    سلام عليكم ..

    هذه المقالة اعتذرت إحدى أعرق المجلات العربية عن نشرها بعد عدة شهور عن استقبالها و ترحيبها بها

    بسم الله الرّحمن الرّحيم


    يشار إلى الأعمال الفكرية بأنّها حصاد الجهد العقلي، فكما لحصاد الجهد الجسدي مظاهر متعددة كناتج نقل شيء من موضع لآخر يوجد لنظيره الفكري مظاهر أخرى، و من المؤكّد ترابطهما و تلاقيهما في العديد من المواضع كالتّشييد مثلًا فهو حصيلة مزدوجة لكليهما.


    و للأعمال الفكرية صورتان، الأولى معنوية تُمثّل الجهد العقلي الخالص، و الأخرى مادية و تعبّر عن نفسها بالنّشر بمختف أشكاله و أدواته، فلولا النّشر لما تناقل النّاس أخبارهم و علومهم، و يمكن وسم النّشر بأنّه طريق و مسلك العمل الفكري و مُتداوَله بين البشر.


    و هنا مكمن دراستنا هذه، فالنّشر في عصرنا الحالي له قوانين تضبطه و دولٌ وهيئات تقف خلف هذه القوانين، و لمّا كان من الضّروري تنظيم عملية النّشر حرصًا على التّوثيق و منعًا من الفوضى و سرقة الأعمال الفكرية و التّدليس فيها كان من الضروري تنمية الجانب الأخلاقي لطرفي العمل الفكري ألا و هما المُلقي و المُتلقي، فهذا الجانب هو الأهم و هو الذي لا يفرضه قانون أو تحدّده دول.


    و لما كانت أخلاقيات المُتلقي تتمثّل بحفظ أمانة العمل الفكري وردّه إلى صاحبه عند الإتيان على ذكره بالإضافة إلى استعمال ذاك العمل بطريقة سليمة، كان أيضًا من أهمّ تلك الأخلاقيات الحصول على العمل بصورة شرعية، بطريقة يرضى عنها المُلقي فهو صاحب العمل ابتداءً.


    لذلك كان لابدّ من تحلّي المُلقي بأخلاقيات تتناسب مع كونه صاحب عمل فكري، بأخلاقيات تجعل منه القدوة المعتمدة للتّلقي، فالمتلقّي يتأثر بكل ما يأتيه من تصرفات من الطّرف الأول لاتنتهي بعمله الفكري ذاك، و ما بين هذه الحدود يتموضع مجال تحقيق هدف الطّرف الأول من خلال إيصال فكرة أو معلومة أو خاطرة بالشّكل الذي يجمع بين العلم و الأدب و الأخلاق لإنشاء الأثر المثالي المنشود.


    بعيدًا عن الأخلاق، تنظّم العلاقة بين الطّرفين مجموعة من الأنظمة و القوانين تختلف من بلد لآخر لكنّها مُتّفقة في الشّكليات و المضمون بالعديد من الأمور أهمّها الجوهر ، و هو أنّ المُلقي له الحق في نشر الجزء المعنوي من عمله الفكري بطريقة مادية و له حصرًا الحق في ذلك ضمن مدّة معيّنة تُحدّد غالبًا بعشرين سنة قابلة للتّمديد من قبل صاحب العمل أو وكيله أو وريثه، و يُشير المُلقي إلى حفظ حقوق النّشر ضمن عمله واضعًا إياه تحت مظلّة تلك القوانين، و هنا عوار كبير يظهر من خلال حصر العمل المعنوي بالعمل المادّي و من خلال صاحب العمل فقط، عندها ترتهن الحريّة بنشر ذلك العمل الفكري موضع تطبيق القانون بنسيان صاحبه أو أحد ورثته لتجديد حقوق النّشر!




    فقوانين حماية الملكية الفكرية آنفة الذّكر ما هي إلّا مستحدثات أوجدتها ظروف سهولة النّشر الحالية، و أثرّت هذه القوانين سلبًا على رفد و توسيع التّراث الإنساني حاجرة عليه بضوابط مُشلّة و قيود ثقيلة و أسر شديد.فقد نشر العُلماء أبحاثهم لقرون و قرون مضت دون سجون تضر أولًا و قبل كلّ شيء بالعمل الفكري نفسه، فتقدير العمل الفكري بمال عن قصد أو بغير قصد إنّما يسير بذاك العمل من قمة العلم و النّور إلى قاع الماديّة و السّطحية.


    ثمّ إن العمل الفكري الحائز على حماية تلك القوانين و المُحصّن بجدرانها لا يمكن أن يكون مجهودًا فرديًا بالعموم إن لم يكن بالإجمال، فيكاد يحمل أي كتاب فصلًا كاملًا تحت عنوان المراجع أو ذاك البرنامج الذي لا يعدو كونه واجهة رسومية مبنية على ملايين الوحدات الموصلة بين لغة الإنسان و لغة الآلة، فمعظم الكتب ما هي إلّا وصفٌ لظاهرة طبيعية ممكنة الحدوث بتأثير بشري أو بدونه، أو بحث مجموع من مصادر مختلفة، كما يمكن أن تغطّي تلك الكتب خواطر أدبية لقصة حدثت أو لم تحدث.


    باختصار لا يمكن أن يكون شخصًا بعينه مالكًا شاملًا لعمله الفكري، حتّى لو ادّعى ذلك و لم يتمكن أحدٌ بدحض ذلك وفق القوانين و الأنظمة السّائدة. بالتّالي فإن هذا الأمر عائدٌ بالكامل لضمير المُلقي و ما اكتسبه من أخلاق.


    و لا ننسى أن نشير إلى أن حصر العمل الفكري بطريق واحد للنّشر يؤدّي بالضّرورة إلى انتهاكه فلا يُمكن لصاحب عمل فكري جيد إيصاله إلى كل مُحتاجه إن بقي مقيّدًا، كما و بالضّرورة بقاء ذلك العمل بعيدًا عن مسامع المُستهدفين طالما بقي يصدر ضمن طبعات محدّدة أو بعدد معيّن، هذا كلّه يؤدّي إلى انتهاك العمل الفكري ما تمكّن المُستَهدَف من ذلك، و لا يُمكن لأحد عدم ملاحظة أفراد و مؤسسات كبيرة توصف قانونًا بأنّها مؤسسات جريمة فكرية مُنظّمة و توصف مُجتمعيًا بأنّها مؤسسات ثورية تعمل على تسهيل سُبل البحث عن الأعمال الفكرية، لكنّها عمليًا مؤسسات صعلوكية تأخذ العمل الفكري بصورته المعنوية موصلةً إيّاه إلى المُتلقي بكلفة بسيطة أو بدونها!


    و الأمثلة كثيرة و الشّابكة زاخرة بهذه المواد على رغم المُلاحقات، فلا تكاد الشّابكة تخلو من أي كتاب متداول على هذه البسيطة بصورة رقمية، و المواد الفكرية المرئية و الصّوتية أيضًا تملأ الشّابكة بصورة غير قانونية يستغلّ ناشروها المُفترضين عديد المنصّات التي تُتيح النّشر المرئي على المسؤولية الشّخصية مُستغلين وهمية العضويات و تنافس المنصّات و الفراغ القانوني في دول مُتخلّفة، أمّا البرمجيات فحدّث و لا حرج، فأيّ برنامج غير مجاني يتهافت الصّعاليك لإنشاء ما يسمّونه بالإصلاحات! نعم يُطلق هؤلاء اسم إصلاح على البرنامج المُقيّد لإتاحته للجمهور دون قيود.


    على الرّغم من أنّ وصف العمل الفكري بأنّه سلعة للبيع و الشّراء فيه امتهان كبير للعمل الفكري نفسه، إلا أن عمليات البيع تلك تتطلّب دراسة مُستفيضة، فمن أركان و أعراف و بدهيات و أدبيات أي عملية بيع أمورٌ كثيرة تُفسد اتّفاقيات و عقود بيع الأعمال الفكرية.


    حيث يُشترط على البائع المُلكية الكاملة التّامة الحصرية للسّلعة التي ينوي بيعها و هذا غير مُمكن في الأعمال الفكرية بصورتها المعنوية، و يُشترط على البائع الإمكانية الكاملة لتسليم السّلعة، و هذا أيضًا مُستحيل بصورة العمل الفكري المعنوية، كما أنّ اعتبار العمل الفكري بصورته المعنوية سلعة للبيع يدخل ضمن أبواب عديدة غير جائزة شرعًا و أخلاقًا و عُرفًا كبيع المعدوم و المجهول و الغرر، و مع هذا كلّه تم اعتمادها قانونًا!


    في ظلّ هذه الفوضى، ظهرت اتّفاقيات قانونية تنظم عمليات النّشر، و لها أنواع متعددة و مرجعيات مُختلفة لكنّها تتفق في جوهرها على الحرية المُحاطة أو المُطلقة في الصّورة المعنوية للعمل الفكري، نذكر منها رُخص المشاع الإبداعي و رُخص غنّو و عربيًا رخصة وقف بإصداريها الأول و الثّاني.


    حبس المعرفة عمّن يحتاجها هو إضرار به و عدم تقدير جهود الباحثين إضرارٌ بهم أيضًا لذلك لا بدّ من الوصول إلى الوسط، الحل الشّامل المُرضي لكلا الطّرفين، وإنّنا نقول في هذا الباب بضرورة إتاحة العمل الفكري بصورته المعنوية و التّربح منه بالصّورة المادّية، حيث أن توفّر المال لصاحب العمل الفكري يؤدّي بالضّرورة إلى ازدهار عمله و عمقه و جودته.


    و للتّربح المادي وسائل و سُبل كثيرة مشروعة غير مُضرّة بالجميع، فمثلًا يُمكن تقاضي الأجر عن طباعة ذاك العمل أو عن طريق تدريس ذاك العمل أو عن طريق تحسين ذاك العمل أو عن طريق العمل بذاك العمل، فصاحب العمل الفكري الأول هو الأجدر بالإحاطة بمحتويات عمله، فباستعمال وسائل أخذ الأجر و ليس البيع يُمكننا التّوصل إلى تربّح معقول داعم لصاحب العمل و إلى عدم غبن المُتلقي بالدّخول بصفقة مشبوهة.


    نذكر أيام ازدهار الحضارة الإسلامية و بعصرها الذّهبي دعم حكومات ذاك العصر لأصحاب الأعمال الفكرية، فكثرت العطايا و الجزايا لأصحاب الأعمال الفكرية من الملوك و السّلاطين و الخلفاء، و أدّى إلى دعم أولئك العُلماء و الأُدباء و الكُتّاب، وأدّى أيضًا و هو الأهم إلى انتشار العلم و الثّقافة بصورة أخلاقية ليست كتلك التي نعيشها اليوم، لذلك فإنّنا ندعو ولاة الأمر في العالم و وكلائهم على هذه الأمور بدعم الأعمال الفكرية بكل الوسائل لإتاحتها للجميع و نوصل الأرض بعيدًا عن الظّلم لعصرها الذّهبي بكل ما لهذه الكلمة من معنىً.




    تمّت في صنعاء 17 صفر 1436
    مصعب الزّعبي

    دمتم برعاية الباري .
    التعديل الأخير تم بواسطة مصعب الزعبي; الساعة 21-02-2015, 07:48 AM.
    (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
    آل عمران 188
    قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
    {لا يشكر الله من لا يشكر الناس}
    {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،فليقل خيراً أو ليصمت}

    جميع المساهمات الحاملة لهذا التوقيع تخضع لرخصة وقف
    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحسن من حال أمتي
يعمل...
X